أعمدة الكتابرأي

الإعلاميون السودانيون بالسعودية.. كيف يصنع إعلام المهجر الوعي ويحافظ على الهوية السودانية؟

الرياض – أشرف محمد السيد

في ظل التغيرات الكبيرة التي يشهدها السودان، برز دور الإعلاميين السودانيين المقيمين بالخارج، خاصة في المملكة العربية السعودية، كحلقة وصل مهمة بين الوطن والجاليات السودانية، وبين الوطن الأول والثاني، وكمساهمين فاعلين في نقل الحقيقة وصناعة الوعي والحفاظ على الهوية الثقافية والإعلامية السودانية، وعكس ما يدور داخل وخارج السودان من أحداث لها أثر كبير على مستقبل البلاد بكل صدق ومهنية.

ورغم تحديات الغربة وتعقيدات المشهد السوداني، يواصل الإعلاميون السودانيون في السعودية أداء دورهم المهني والثقافي بإصرار، حاملين معهم صورة الوطن وهمومه وآماله، ومؤكدين أن الإعلام يظل أحد أهم أدوات بناء الوعي والحفاظ على الهوية الوطنية أينما كان السودانيون.

وفي هذا الحوار، نستضيف مجموعة من الإعلاميين السودانيين المقيمين بالسعودية الذين نجحوا في خلق كيان احتواهم جميعاً كأسرة إعلامية تحت مسمى “إعلام”، وذلك للحديث عن تجربتهم المهنية، وتحديات العمل الإعلامي في الغربة، ورؤيتهم لمستقبل الإعلام السوداني.


كيان “إعلام”.. منصة تجمع الإعلاميين السودانيين بالسعودية

الإعلامي جعفر موسى تاج الدين تحدث عن تأسيس كيان “إعلاميو السودان بالسعودية”، موضحاً أن الفكرة انطلقت من إيمان عميق بالدور المحوري الذي يلعبه الإعلام الحديث ومنصات التواصل الاجتماعي في تشكيل الوعي العام.

وقال إن الهدف الأساسي للكيان يتمثل في خلق وعاء جامع يحتضن كافة ألوان الطيف الإعلامي السوداني بالمملكة العربية السعودية، مؤكداً أن أبواب الكيان مفتوحة لكل الإعلاميين السودانيين في المهجر.

وأضاف:

“لقد وضع القائمون على أمر إعلاميو السودان بالسعودية مصلحة الوطن نصب أعينهم، مع الالتزام الكامل بالقوانين والأنظمة المعمول بها في المملكة العربية السعودية باعتبارها بلداً شقيقاً نكن له كل احترام”.

وأشار تاج الدين إلى أن الكيان لم يكتفِ بالرؤية النظرية، بل عمل على ترجمة أهدافه إلى برامج ومبادرات عملية، من بينها تصميم الشارة البصرية “اللوقو” الخاصة بتلفزيون السودان كإسهام وطني يعكس الهوية البصرية للإعلام السوداني.

وأوضح أن “إعلام” نظم عدداً من الورش المتخصصة في مجالات الإعلام الرقمي، والخصوصية في مواقع التواصل الاجتماعي، والاندماج الرقمي، وصناعة المحتوى التلفزيوني، إلى جانب التدريب في مجالات الإخراج والتصوير والإعداد والتقديم والتسويق الإلكتروني.

كما كشف عن شراكات تدريبية مع مؤسسات إعلامية عربية وخليجية، من بينها شبكة الرواد الإعلامية بالكويت ومنصة “ساند” الإعلامية، بهدف توفير دورات مجانية وشهادات معتمدة للإعلاميين السودانيين.


لماذا تراجع الإعلام التقليدي السوداني؟

الإعلامية راما الشريف أكدت أن الإعلام العالمي يشهد تحولاً ضخماً في السنوات الأخيرة، موضحة أن الإعلام أصبح صناعة مؤثرة تعتمد على استراتيجيات متطورة تواكب الرقمنة والتكنولوجيا الحديثة.

وترى الشريف أن تراجع تأثير الإعلام التقليدي السوداني يعود لسببين رئيسيين؛ أولهما عدم المواكبة الواعية والرصينة للتحولات الرقمية، والثاني غياب القوانين والأنظمة التي تنظم المحتوى الذي تقدمه المنصات والصفحات الفردية على مواقع التواصل الاجتماعي.

وقالت:

“الموثوقية والموضوعية هما ما يبحث عنهما المتلقي، وهذه أدوات ظلت مرتبطة بالإعلام التقليدي، لكن المؤسسات الإعلامية السودانية لم تستطع حتى الآن مواكبة التحول الرقمي بالشكل المطلوب”.

وأضافت أن بعض المنصات أصبحت تعتمد على الإثارة والضجيج وصناعة “الترند” على حساب المهنية والمصداقية، إلا أن الإعلام الحقيقي سيظل قائماً على الموضوعية وبناء الوعي وخدمة المجتمع.


الإعلام ودوره في ربط أبناء المغتربين بالسودان

وتحدثت راما الشريف عن أهمية الإعلام في ربط أبناء المغتربين السودانيين بوطنهم الأم، مؤكدة أن الإعلام بمختلف وسائله يلعب دوراً محورياً في تعزيز الانتماء الوطني والحفاظ على الهوية السودانية لدى الأجيال الجديدة التي وُلدت ونشأت خارج السودان.

وقالت إن وسائل الإعلام والمنصات الرقمية تسهم في إبراز التراث السوداني والقيم والعادات والتقاليد، إلى جانب تسليط الضوء على قضايا الوطن وهمومه، بما يعزز ارتباط أبناء المغتربين بالسودان رغم البعد الجغرافي.

وأضافت:

“الإعلام يجب أن يقترب من الناس ويقدم محتوى يلامس احتياجاتهم وتطلعاتهم، وأن يكون قادراً على الإجابة عن أسئلتهم وتقديم محتوى هادف يثري الفكر ويرتقي بالوعي”.

كما أشارت إلى أن هذه المهمة ليست سهلة، بل تحتاج إلى إعلاميين يمتلكون أدوات احترافية وقدرة على التعامل مع طبيعة الإعلام الحديث ومنصاته المختلفة.


باكيمان عثمان: الحرب كشفت أزمة الخطاب الإعلامي السوداني

الإعلامية باكيمان عثمان ترى أن بعض وسائل الإعلام السودانية أصبحت منحازة أكثر من كونها ناقلة للحقيقة، مشيرة إلى أن بعض الإعلاميين تحكمهم المؤسسات أو الانتماءات السياسية، مما يجعل المهنية تتراجع أحياناً أمام العاطفة أو المصالح.

وأضافت أن الإعلامي المهني الحقيقي هو من يستطيع توظيف آرائه وانحيازاته بوعي ومسؤولية تخدم المتلقي وتحافظ على أخلاقيات المهنة.

وحول مستقبل الإعلام السوداني بعد الحرب، وصفت باكيمان المشهد الحالي بأنه “ضبابي”، مؤكدة أن الحرب لم تكشف فقط حجم الدمار الذي طال المؤسسات الإعلامية، بل أظهرت أيضاً حجم الخلل داخل الخطاب الإعلامي نفسه، وتأثير الانتماءات السياسية والجهوية والعنصرية على المهنية والموضوعية.

وقالت:

“الحرب أفقدت كثيراً من المنابر الإعلامية ثقة الجمهور ومصداقيتها، كما أن هجرة ونزوح أعداد كبيرة من الإعلاميين خلق واقعاً صعباً يحتاج إلى سنوات من إعادة البناء”.

وأكدت أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إعلام أكثر وعياً ونضجاً، يقدم الوطن على الانقسامات، ويؤمن بأن الحقيقة وحماية الإنسان يجب أن تكون فوق كل الانتماءات الضيقة.


خالد الضبياني: وسائل التواصل صنعت حضور الإعلامي السوداني بالخارج

الإعلامي خالد الضبياني أكد أن وسائل التواصل الاجتماعي أحدثت تحولاً جذرياً في حضور الإعلامي السوداني بالخارج، حيث أصبح الهاتف المحمول منصة إعلامية متكاملة تتيح للإعلامي الوصول المباشر إلى الجمهور دون الحاجة إلى المؤسسات التقليدية.

وأوضح أن الإعلاميين السودانيين بالخارج استطاعوا عبر المنصات الرقمية التعريف بالمجتمع السوداني وثقافته وقضاياه، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.

وقال إن وسائل التواصل ساعدت كذلك في إبراز مواهب إعلامية سودانية شابة لم تكن تجد مساحة في الإعلام التقليدي، كما أسهمت في بناء علاقات مهنية مع مؤسسات إعلامية عربية وخليجية.

لكنه حذر في المقابل من الفوضى الإعلامية التي صاحبت انتشار المنصات الرقمية، مشيراً إلى أن بعض الحسابات أصبحت تعتمد على الإثارة والضجيج بدلاً من الرسالة الإعلامية الحقيقية.


تحديات الإعلاميين السودانيين بالسعودية

وعن أبرز التحديات التي تواجه الإعلامي السوداني المقيم بالسعودية، قال الضبياني إن المنافسة الكبيرة داخل السوق الإعلامي الخليجي، والحاجة المستمرة لمواكبة التقنيات الحديثة ومتطلبات الإعلام الرقمي، تمثل من أبرز العقبات التي تواجه الإعلاميين السودانيين.

وأضاف أن بعض الإعلاميين يعملون بإمكانات فردية دون دعم مؤسسي حقيقي، فضلاً عن صعوبة الحصول على فرص ثابتة في بعض المؤسسات الإعلامية الكبرى.

ورغم ذلك، أكد وجود فرص حقيقية للإعلاميين السودانيين في الخليج، موضحاً أن الإعلامي السوداني يتميز باللغة القوية والثقافة الواسعة والقدرة على الحوار والتعامل المهني، وهو ما ساعد الكثير منهم على النجاح في مجالات التقديم التلفزيوني، وصناعة المحتوى، والعلاقات العامة، والإعلام الرقمي.


الحفاظ على الهوية السودانية عبر الإعلام

وفي ختام الحوار، شدد خالد الضبياني على أن الحفاظ على الهوية السودانية لا يتم بالشعارات فقط، بل عبر إنتاج محتوى إعلامي محترم يعكس أخلاق المجتمع السوداني وثقافته وتاريخه.

وأوضح أن الإعلام السوداني بالخارج يسهم في تقديم صورة مشرّفة عن السودانيين من خلال إبراز العادات والتقاليد الجميلة، والتراث والفنون السودانية، إلى جانب تسليط الضوء على قصص النجاح السودانية في مختلف المجالات.

وأضاف:

“الهوية تُحفظ عبر محتوى محترم يعكس قيم المجتمع السوداني، ويربط السودانيين بالخارج بوطنهم وثقافتهم، خاصة في ظل ظروف الاغتراب والهجرة”.


إعلام المهجر.. رسالة تتجاوز الحدود

رغم تحديات الغربة وتعقيدات المشهد السوداني، يواصل الإعلاميون السودانيون بالسعودية أداء رسالتهم المهنية والثقافية بإصرار، حاملين معهم صورة الوطن وهمومه وآماله، ومؤكدين أن الإعلام سيظل أحد أهم أدوات بناء الوعي والحفاظ على الهوية الوطنية أينما كان السودانيون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى