إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي
إن كل المقولات التي حكاها القرآن عن الذين يصفون الأنبياء بالبشرية المطلقة، تأتي مقرونة بالانتقاص والازدراء والتكذيب، نحو:
قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون
وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين
وفي المقابل لا يأتي وصف الأنبياء لأنفسهم بالبشرية إلا مقترنًا ببيان ما يمتازون به على سائر الناس، وذلك نحو قوله تعالى:
قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده
وقل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي
ففي الآية الأولى ورد الاستدراك بجملة: ولكن الله يمن على من يشاء من عباده، وليس لمن الله سقف يحده.
أما الآية الثانية فقد جاء فيها الوصف بالبشرية موصولًا بصفة أخرى وهي جملة «يوحى إلي»، ذلك أن الوحي روح يرتقي به أهله من مجرد البشرية إلى مقام النبوة الخاص، فليس الوحي مجرد تكليف بل هو بركة وتكريم وتشريف.
وكما أن بني آدم عمومًا ترقوا بنفخة الروح من درك الحيوانية إلى مقام البشرية، فكذلك نفحة الوحي ترفع أهلها إلى مقام فوق البشرية المجردة، فحيوات الأحياء متفاضلة، بعضها أرفع من بعض، حتى إن أدناها ليعد مواتًا قياسًا بما فوقها، قال تعالى:
أومن كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس
فهذه حياة راقية زائدة على الحياة المتدنية قبلها.
وإن الذي يصف الأنبياء بالبشرية المجردة، ليستشيط غضبًا إذا ما وصف هو بأنه حيوان، لما فيه من تجريد من كرامة الروح الإلهية، بينما أن جحوده لفضل الأنبياء على سائر الخلق لا يقل بشاعة مما وصم به. وإن كانت حجته هي أن الأنبياء يأكلون كما يأكل البشر ويولدون كما يولدون ويتناسلون كما يتناسلون ويموتون كما يموتون، فحجته هذه منعكسة عليه، فالحيوانات تشاركه في كل ذلك.
يوشك أن يحمل هذا المنطق السقيم أهله لأن يصموا الأنبياء بالحيوانية التي ينزهون منها أنفسهم، فتهوي بهم حججهم إلى النار.
وليست غايتنا تجريد الأنبياء من بشريتهم، ولكن هدفنا هو التنبيه إلى أن وصفهم مجردًا، لغير حاجة علمية، يخالف الحقيقة، وينطوي على قدر عظيم من التجرؤ وسوء الأدب، الذي هو صنْو السب، أعاذنا الله من ذلك.
وإن من غايات الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلما ذكر، هو التنبيه إلى هذا الملحظ الجليل الجميل، فإن من حقه على أمته التعظيم والتعزير والتوقير.
وأقول ربما توهم الناس أن بركات الوحي مقصورة على الجوانب المعنوية والروحية والعلمية فحسب، كلا! بل إن كيان الأنبياء المادي ذاته ليتبارك بالوحي، في الحياة ومن بعد الممات، فقد حرم الله على الأرض أجساد الأنبياء، فهي لا تبلى ولا تتحلل، ولم يثبت هذا عندنا بالروايات والنقول فحسب، بل إن الواقع �