أعمدة الكتابالسعوديةالطلاب والأسرحقوق المغتربينرأي

حديقة الخرطوم.. حين تعبر ثقافتنا حدود المكان

تحت المجهر / حنان فيصل

ما يصلح في السودان ليس بالضرورة أن يصلح في بلد الضيافة

لم تكن الحرب في السودان مجرد أصوات رصاص ومدن أُغلقت أبوابها بل كانت وجع إنساني دفع الملايين إلى مغادرة بيوتهم وحمل حقائبهم والبحث عن مكان آمن يحفظ لهم ما تبقى من الحياة والكرامة.
خرج السودانيون من وطنهم مكرهين بعضهم لا يملك إلا ما يحمله بين يديه وبعضهم ترك بيت وعمل وذكريات وآخرون تركوا آباء وأمهات وأحلام لم تكتمل.

وبينما كانت الحرب تضيق عليهم أبواب الوطن فتحت المملكة العربية السعودية أبوابها ووجد السودانيون فيها الأمن والاستقرار وسبل العيش وظلت المملكة تقدم دعما إنسانيا للسودان وشعبه وفي سبتمبر 2026 دشن مركز الملك سلمان للإغاثة المرحلة الثالثة من مبادرة “مدد ” في السودان التي تستهدف المتضررين والنازحين بالمساعدات الغذائية والإيوائية والصحية.
كان هذا البلد بالنسبة لكثيرين منا صدرا حانيا وملاذا آمنا في واحدة من أصعب مراحل تاريخ السودان الحديث.
لكن اللجوء والغربة مهما طالا لا ينبغي أن يتحولا إلى وطن بديل.

حديقة الخرطوم.. حين تعبر ثقافتنا حدود المكان
حديقة الخرطوم.. حين تعبر ثقافتنا حدود المكان

ومن هنا تأتي هذه القضية.
فالمشهد الذي نراه في بعض الأماكن ومنها ما يعرف بين السودانيين بـ”حديقة الخرطوم” في مكة لا ينبغي أن نقرأه بمعزل عن الظروف التي صنعته فخلف بعض الوجوه قصص نزوح وخلف بعض المهن حاجات اقتصادية وخلف كثير من المظاهر آثار حرب لم تترك للإنسان خيارات كثيرة.
لكن التعاطف مع الظروف لا يعني أن نتوقف عن طرح الأسئلة.
كيف نحفظ كرامة الإنسان السوداني في غربته؟
كيف نساعد المحتاج بدل الاكتفاء بمراقبته؟
كيف نحول الحاجة إلى مشروع منظم؟
وكيف ننتقل من مرحلة الاحتماء بالغربة إلى مرحلة الاستعداد للعودة؟
فهناك وطن مهما أثقلته الحرب ينتظر أبناءه.
ليست كل عادة قابلة للتصدير
ليست كل عادة نمارسها في السودان قابلة للتطبيق في كل مكان.
هذه حقيقة بسيطة لكنها تحتاج إلى شجاعة للاعتراف بها.
فنحن حين نغادر وطننا لا نحمل معنا جواز السفر فقط وإنما نحمل ثقافتنا وعاداتنا وصورتنا عن أنفسنا ويصبح سلوك الفرد منا جزء من الصورة التي قد تتكون لدى المجتمع المضيف عن شعب بأكمله.

والمملكة العربية السعودية ليست مجرد بلد نقيم فيه ونكسب أرزاقنا إنها بلد مضيف له ثقافته وقيمه وأنظمته وخصوصيته الاجتماعية ومن واجبنا أن نحترمها كما نحترم حقنا في أن تُحترم ثقافتنا.
بالأمس زرت ما يُعرف بين السودانيين بـ”حديقة الخرطوم” في مكة وما رأيته دفعني إلى طرح سؤال لا أريده جارحا وإنما أريده جرس إنذار

هل نحن قادرون فعلا على التمييز بين ما اعتدنا عليه في السودان وما ينبغي أن نفعله في بلد مضيف؟
رأيت نساء يمارسن نشاط يرتبط بالحاجة إلى مصدر دخل ورأيت رجال متجمعين حول الشاي والقهوة واللقيمات يجلسون في الحديقة ويفترشون الأرض في صورة قد تكون مألوفة في بعض البيئات السودانية.
لكن السؤال ليس
هل هذه العادة سودانية؟
السؤال الأهم
هل هذه الممارسة بهذه الصورة مناسبة للمكان الذي نعيش فيه؟
لا نحاكم الحاجة.. بل نسأل عن الحل
وأنا هنا لا أوجه اللوم إلى المرأة السودانية التي تبحث عن مصدر رزق.
الحاجة الاقتصادية قد تدفع الإنسان إلى خيارات كثيرة والمرأة التي تعمل لتوفر قوت أسرتها أو تساعد زوجها وأبناءها لا ينبغي أن تكون هدفا للتجريح أو التشهير.
بل السؤال الحقيقي يجب أن يتجه إلى المجتمع كله وإلى القادرين على صناعة البدائل.
أين رجالنا؟
أين المهندس؟
أين الطبيب؟
أين رجل الأعمال؟
أين المحاسب؟
أين أصحاب المؤسسات والمهن والدخل المستقر؟
أين الشباب الذين يعرفون طبيعة المجتمع السعودي وأنظمته وثقافته؟
فهل يعقل أن تكون بعض الحلول أمام نسائنا هي الجلوس في حديقة عامة بينما توجد حولهن كفاءات ورؤوس أموال وأصحاب أعمال ومبادرات يمكن أن تساعد في صناعة بدائل أكثر تنظيما؟
المشكلة ليست في الشاي ولا القهوة ولا اللقيمات.
المشكلة في أن نترك الحاجة الاقتصادية تدفع بعض أبناء مجتمعنا إلى ممارسة نشاط بصورة قد لا تنسجم مع خصوصية المكان ثم نكتفي بالمشاهدة.
يا رجال السودان.. هذه مسؤوليتكم
رسالتي هنا ليست إلى الجالية باعتبارها كيانا إداري فقط.
رسالتي إلى الآباء والإخوة والأعمام والأخوال والشباب ورجال الأعمال وأصحاب المهن والدخل المستقر
أنتم جزء من الحل.
إذا اجتمعت أيدي القادرين يمكن صناعة حلول تحفظ للمرأة مصدر رزقها وتحفظ لها كرامتها وتحترم في الوقت نفسه ثقافة المجتمع المضيف وأنظمته.
لماذا لا تنشأ مبادرة لتوفير أماكن منظمة ومناسبة للعمل؟
لماذا لا تجمع مساهمات صغيرة من القادرين لإنشاء مشروع إنتاجي للنساء؟
لماذا لا يتبنى رجال الأعمال تدريب وتأهيل وتسويق لمنتجاتهن؟
لماذا لا تتحول هذه الحاجة إلى مشروع منظم بدل أن تبقى مشهدا عابرا في حديقة عامة؟
الحلول موجودة ولكنها تحتاج إلى إرادة.
اختلاف الثقافات ليس تهمة.. والجهل بها ليس عذرا
نحن شعب كريم وبسيط وهذه من أجمل صفاتنا.
لكن البساطة شيء وعدم قراءة المكان الذي نعيش فيه شيء آخر.
قد تكون جلسة الرجال في مكان عام وافتراش الأرض وتجمعهم حول الشاي والقهوة صورة عادية في بعض البيئات السودانية.
لكن عندما نعيش في مجتمع له خصوصيته الدينية والاجتماعية وأنظمته فعلينا أن نسأل أنفسنا قبل أن نفعل
هل هذا مقبول هنا؟
احترام ثقافة البلد المضيف لا يعني أن نتخلى عن هويتنا.
بل يعني أن نعرف متى وأين وكيف نمارس ثقافتنا.
والرجل السوداني الذي يعيش في المملكة ويعرف أنظمتها وثقافتها يستطيع أن يكون سفيرا حقيقيا لبلده ليس بالحديث عن كرم السودانيين وأخلاقهم وإنما بسلوكه واحترامه للمكان العام.
صورة الرجل السوداني.. مسؤولية
هناك صورة تاريخية للرجل السوداني في الوجدان العربي
رجل كريم محترم متزن يحترم الكبير ويصون المرأة ويعرف للبلد الذي يعيش فيه حقه.
هذه الصورة ليست إرثا نعلقه على الجدار.
نحن مطالبون بحمايتها بالسلوك.
لا بالجلوس العشوائي في الأماكن العامة أو ممارسة أنشطة لا تتناسب مع طبيعة المكان قد يبدو في نظر البعض أمرا بسيطا لكنه عندما يتكرر يصبح صورة.
والصورة عندما تتكرر تتحول إلى انطباع.
وهنا مكمن الخطر.
لا نريد إلغاء “حديقة الخرطوم”.. نريد إصلاحها
ولست مع الدعوة إلى إلغاء المكان أو محاربة من يعمل فيه.
بل على العكس.
نريد أن تتحول “حديقة الخرطوم” إلى نموذج للحل لا عنوان للمشكلة.
لماذا لا تتعاون مجموعة من رجال الأعمال السودانيين مع أصحاب المبادرات والمنظمات والجالية لإيجاد صيغة منظمة تحفظ للنساء أعمالهن وتوفر لهن بيئة مناسبة وتراعي الأنظمة والثقافة المحلية؟
لماذا لا يكون هناك صندوق صغير للمبادرات الإنتاجية؟
لماذا لا يتم تدريب النساء على مشاريع منزلية وإلكترونية وتسويقية يمكن أن توفر لهن دخلًا بعيدا عن الحاجة إلى الجلوس في الأماكن العامة؟
ولماذا لا يقوم الشباب السوداني الذين يعرفون النظام في المملكة بدور توعوي لمن يحتاج إلى المعرفة؟
التوعية ليست عيبا.
والاعتراف بأننا نحتاج إلى التعلم عن مجتمع نعيش فيه ليس انتقاصا منا.
لسنا ضد العمل.. نحن ضد أن تتحول الحاجة إلى قدر
المرأة السودانية التي تعمل ليست المشكلة.
والرزق ليس عيبا.
والسعي لتوفير احتياجات الأسرة ليس موضع لوم.
المشكلة تبدأ عندما تصبح الحاجة الاقتصادية سببا لغياب البدائل وعندما يرى المجتمع المشكلة ثم يكتفي بالنظر إليها.
نحن لا نريد أن نغلق باب الرزق أمام امرأة.
نريد أن نفتح لها بابا أكثر تنظيما وأمانا وكرامة.
وهنا يأتي دور الأسرة والجالية والمنظمات ورجال الأعمال وأصحاب المبادرات والشباب.
سؤال أخير.. لا أريد له إجابة عاطفية
هل نحن فعلا شعب بسيط إلى درجة أننا لا نستطيع أن نوازن بين عاداتنا وواقع المكان الذي نعيش فيه؟
أم أننا نحتاج فقط إلى قليل من الوعي وكثير من المسؤولية؟
المملكة فتحت أبوابها للسودانيين وعاش فيها كثير منهم بأمان واستقرار ووجدوا فيها فرص العمل والحياة.
ومن الوفاء لهذا البلد أن نحترم ثقافته وأنظمته وأن نكون جزءا من نسيجه الاجتماعي لا أن نفرض عليه ممارسات نراها نحن طبيعية لأنها جزء من ثقافتنا.
ومن الغربة إلى العودة.. ماذا سنفعل عندما نعود؟
ربما آن الأوان لأن ننظر إلى المشهد كله من زاوية أوسع.
نحن السودانيين الذين وجدنا في المملكة الأمن والاحتضان والعمل علينا أن نحفظ لهذا البلد المضيف حقه وأن نحترم أرضه وأنظمته ومجتمعه وأن نكون خير سفراء لوطننا.
لكن علينا في الوقت نفسه ألا ننسى أن وراء كل مغترب قصة وطن.
وأن وراء كل لاجئ بيتا ينتظر وأرضا تحتاج إلى من يعيد إليها الحياة.
فالعودة ليست مجرد عبور للحدود.
العودة مشروع.
مشروع يعيد للإنسان قدرته على الحياة ويهيئ البيئة المناسبة للعمل والإنتاج ويشجع أصحاب الخبرات ورؤوس الأموال والشباب والنساء على المشاركة في إعادة بناء السودان.
وقد أكد رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبدالفتاح البرهان في مناسبات مختلفة أهمية التكاتف لتجاوز التحديات فيما تشير المعطيات الرسمية السعودية إلى استمرار الدعم الإنساني للسودان وإلى تعزيز التعاون المؤسسي بين البلدين عبر إنشاء مجلس التنسيق السعودي _ السوداني في أغسطس 2026.
وهذه المعاني تضع أمام السودانيين سؤالا أكبر من
متى نعود؟
السؤال الحقيقي
ماذا سنفعل عندما نعود؟
فالسودان لن يُبنى بالحنين وحده.
ولن تعمر مدنه بالبكاء على ما فقدناه.
وإنما بسواعد أبنائه وخبراتهم وأموالهم وأفكارهم وتكاتفهم.
ومن عاش سنوات الحرب واللجوء يعرف أكثر من غيره قيمة الوطن.
لذلك فإن سنوات الغربة يمكن أن تتحول من سنوات انتظار إلى رصيد للعودة والبناء.
نتعلم..نعمل.. ندخر.. نخطط.. نؤسس.. ثم نعود عندما تتوافر الظروف المناسبة لنضع ما اكتسبناه في خدمة وطن يحتاج إلى كل أبنائه.

حديقة الخرطوم.. حين تعبر ثقافتنا حدود المكان
حديقة الخرطوم.. حين تعبر ثقافتنا حدود المكان

السودان ينتظر أبناءه
لقد احتضنتنا المملكة في زمن عصيب وهذه مواقف لا تُنسى.
ومن الوفاء للمملكة أن نحترم أرضها وأنظمتها وثقافتها.
ومن الوفاء للسودان أن نحمل إليه من الغربة ما ينفعه.
فاللجوء محطة.. وليس قدرا.
والغربة تجربة.. وليست وطن بديل.
والحنين جميل.. لكن أجمل منه أن يتحول إلى عمل.
فلنستجب لدعوة العودة عندما تتهيأ الظروف ولنعد لا لنبكي على وطن أنهكته الحرب وإنما لنعيد بناء وطن يستحق أن نحيا فيه بكرامة.
يا رجال السودان في المملكة..
لا تتركوا نساءكم في مواجهة الحاجة وحدهن.
ولا تجعلوا المرأة تدفع ثمن اجتماعي لحاجة اقتصادية يمكن أن تجد لها حلول أكثر كرامة وتنظيما.
إن كانت هناك حاجة فكونوا أنتم أول من يمد يده.
وإن كان هناك عمل فساعدوا على تنظيمه.
وإن كانت هناك ممارسة تحتاج إلى تصحيح فابدؤوا بأنفسكم قبل أن تطلبوا من الآخرين التغيير.
كرامة المرأة مسؤولية المجتمع وصورة الرجل السوداني مسؤولية الرجل السوداني نفسه.
أما “حديقة الخرطوم” في مكة فليست المشكلة في اسمها ولا في الشاي والقهوة واللقيمات.
المشكلة الحقيقية أن نرى الحاجة بأعيننا ثم نكتفي بالمشاهدة.
نحن في بلد ضيافة ومن كرم الضيافة أن نحترم المكان.
ومن كرامتنا أن نحسن تمثيل وطننا.
ومن مسؤوليتنا أن نبحث عن حل يحفظ للمرأة كرامتها وللسوداني سمعته وللمجتمع المضيف حقه.
ثم نخطو الخطوة الأكبر
أن نعود إلى السودان عندما تصبح العودة ممكنة وآمنة لا لنبحث عن وطن من جديد وإنما لنشارك في بناء الوطن الذي انتظرنا طويلا
فالسودان لا يحتاج منا أن نبكي عليه أكثر.
السودان يحتاج أن نعود إليه ونبنيه.
نكتب لنكشف الحقيقة….لا لنصنع الخصومة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى