أعمدة الكتابرأي

هل يجوز أن يتحول الاحتجاز إلى عقوبة قبل صدور الحكم؟

حنان فيصل

بحسب معلومات “تحت المجهر” وما نشر في 25 أغسطس تشير معلوماتنا إن 83 محتجز في سجن بورتسودان المركزي دخلوا إضراب مفتوح عن الطعام وقد قال المحتجزون إن بعضهم أمضى قرابة عامين دون محاكمة وإن قاضياً واحد ينظر قضاياهم مع تأجيلات متكررة للجلسات. ?
المحاكمة حق …والأتهام لا يعني الإدانة

سجن بورسودان متى يصبح الحبس الاحتياطي عقوبة ؟
تحت المجهر
سجن بورتسودان.. عندما يتحول الحبس الاحتياطي إلى عقوبة بلا حكم؟
حنان فيصل
أخطر ما في قضية المحتجزين بسجن بورتسودان أنهم دخلوا في إضراب عن الطعام وإنما أن يصل الإنسان إلى مرحلة يرى فيها أن جسده هو آخر وسيلة متبقية له للاحتجاج على تأخر العدالة.

هل يجوز أن يتحول الاحتجاز إلى عقوبة قبل صدور الحكم؟
هل يجوز أن يتحول الاحتجاز إلى عقوبة قبل صدور الحكم؟

في 25 أغسطس دخل نحو 83 محتجز في السجن القومي ببورتسودان إضراب مفتوح عن الطعام احتجاجاً على طول فترة احتجازهم وتأخر إجراءات محاكماتهم. ووفق ما ورد في مذكرة المحتجزين فإن بعضهم أمضى قرابة عامين خلف القضبان بل إن بعضهم لم يحال إلى المحكمة أصلا طوال هذه المدة. كما أشاروا إلى أن قاضياً واحدا يتولى النظر في قضايا العدد المذكور وأن الجلسات تتعرض للتأجيل بسبب غياب أطراف في إجراءات الاتهام أو لأسباب مرتبطة بسير العمل القضائي.

وهنا يجب أن نتوقف قليلا عن أسماء المواد القانونية وعن طبيعة الاتهامات ونضع السؤال في مكانه الصحيح هل الاتهام وحده يجعل الإنسان مداناً؟ الإجابة القانونية والأخلاقية واضحة لا.

فالأصل أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي وأن المحاكمة العادلة ليست منحة تمنحها السلطة لمن تشاء وإنما حق أصيل للمتهم.

والدستور السوداني الانتقالي لسنة 2005 نص في المادة 34 على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته وأن من تتخذ ضده إجراءات جنائية له الحق في سماع عادل وعلني أمام محكمة مختصة كما كفل له الحق في أن يحاكم دون إبطاء غير مبرر وأن يمارس حقه في الدفاع.

وهذا مهم جدا لأن الحبس الاحتياطي ليس حكما بالإدانة.
إنه إجراء استثنائي تفرضه الضرورة القانونية في ظروف محددة وليس عقوبة تسبق المحاكمة.
فإذا كان الإنسان محتجزا لمدة عام أو عامين دون صدور حكم فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط لماذا اتّهم؟
وإنما أيضا
لماذا لم يحاكم؟
وإذا كانت هناك أدلة فلتعرض أمام المحكمة.
وإذا ثبتت إدانته فليصدر الحكم وفق القانون.
وإذا لم تثبت إدانته فليست الحرية جائزة تتفضل بها السلطة وإنما حق يجب احترامه.

القانون لا يطلب المستحيل

قد يقول قائل نحن في حرب والبلاد تمر بظروف استثنائية والجرائم المنسوبة إلى هؤلاء خطيرة.
وهذا صحيح من حيث تعقيد الظروف لكنه لا يعني أن العدالة تتوقف.

بل على العكس كلما اشتدت الحرب ازدادت الحاجة إلى استقلال القضاء واحترام الإجراءات القانونية لأن أجواء الحرب بطبيعتها تخلق الخوف والشك والاتهامات المتبادلة وقد تجعل الإنسان عرضة للاشتباه بسبب موقفه أو انتمائه أو مكان وجوده.
ولهذا جاءت قواعد القانون الدولي لتؤكد أن الحرمان من الحرية لا ينبغي أن يكون تعسفياً وأن المحتجز بسبب اتهام جنائي يجب أن يعرض على جهة قضائية وأن يكون الاحتجاز السابق للمحاكمة استثناء لا قاعدة.

كما أن المادة التاسعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تؤكد حق الإنسان في الحرية والأمان وتحظر الاعتقال أو الاحتجاز التعسفي وتربط استمرار الاحتجاز السابق للمحاكمة بضرورة أن تتم المحاكمة خلال مدة معقولة أو يفرج عن الشخص.

والأهم من ذلك أن السودان نفسه أقر في دستوره مبدأ المحاكمة دون إبطاء غير مبرر.
ماذا عن خطورة الاتهامات؟
المحتجزون في بورتسودان يقولون إنهم يواجهون اتهامات بموجب المادتين 50 و51 من القانون الجنائي لسنة 1991 وهي اتهامات بالغة الخطورة.

لكن خطورة الاتهام لا تعني سقوط حق المتهم في المحاكمة.
بل ربما يكون العكس هو الصحيح
كلما كان الاتهام أخطر كان واجب الدولة في تقديم محاكمة عادلة أكثر إلحاحاً.
فلا يمكن أن تتحول خطورة التهمة إلى مبرر لاحتجاز مفتوح ولا يمكن أن تصبح الحرب سببا لإلغاء القاضي والمحامي والدفاع والمحاكمة.

القانون لا يقول إن المتهم بريء لأنه مظلوم وإنما يقول إنه لا يعتبر مداناً قبل أن تثبت إدانته أمام القضاء.
وهذه نقطة جوهرية يجب ألا نخلط بينها وبين المواقف السياسية.

هل يجوز أن يتحول الاحتجاز إلى عقوبة قبل صدور الحكم؟
هل يجوز أن يتحول الاحتجاز إلى عقوبة قبل صدور الحكم؟

83 محتجزاً أمام قاضٍ واحد
من أكثر التفاصيل التي تستحق الوقوف أمامها ما ورد بشأن تولي قاض واحد النظر في قضايا عشرات المحتجزين.
إذا صح ذلك فنحن أمام مشكلة تتجاوز الأشخاص إلى قدرة منظومة العدالة نفسها على أداء وظيفتها.
القاضي بشر وله إجازة ومرض وظروف عمل لكن العدالة لا ينبغي أن تتوقف بالكامل على وجود شخص واحد.
فحين يتوقف مصير عشرات الحريات بسبب غياب قاض أو عدم وجود بديل فإن المشكلة تصبح إدارية ومؤسسية ويصبح واجب السلطة القضائية أن تبحث عن حلول عاجلة دوائر إضافية قضاة متفرغون تنظيم الملفات وتحديد آجال معقولة للفصل في القضايا.

وهذا بالضبط ما طالب به المحتجزون إلى جانب معالجة مشكلة غياب المبلغين وشهود الاتهام وممثلي الحق العام.
خلف القضبان إنسان
هناك جانب آخر لا يجوز أن يضيع وسط الجدل السياسي الإنسان الموجود داخل السجن.
المحتجز الذي لم تصدر بحقه إدانة قضائية لا يفقد إنسانيته بمجرد دخوله السجن.
وتشير المعلومات المنشورة عن مذكرة المحتجزين إلى وجود شكاوى تتعلق بتدهور الأوضاع الصحية والنفسية بما في ذلك حالات مرضية مزمنة. وهذه ادعاءات تستوجب التحقيق العاجل والمستقل لا التجاهل.
فالقانون الدولي الإنساني والمعايير الدولية لمعاملة الأشخاص المحرومين من حريتهم تؤكد أن الحرمان من الحرية لا يعني الحرمان من الكرامة وأن المحتجزين يجب أن يحصلوا على الرعاية الطبية اللازمة والمعاملة الإنسانية.
القضية ليست مع أو ضد أحد

وهنا أقولها بوضوح
الدفاع عن حق المحتجز في المحاكمة لا يعني الدفاع عن الجريمة إن كان قد ارتكبها.
كما أن المطالبة بمحاكمة عادلة لا تعني تبرئة المتهم.
إنها تعني فقط أن نترك للقضاء مهمته.
إذا كانت هناك أدلة على ارتكاب جريمة فلتقدم الأدلة.
وإذا كانت التهمة صحيحة فليصدر الحكم.
وإذا كانت الأدلة غير كافية فليأخذ القانون مجراه.
أما أن يبقى الإنسان خلف القضبان سنوات دون حسم قضائي فهنا تتحول العدالة من وسيلة لإثبات الجريمة إلى عقوبة تسبق الحكم.
وهذه هي النقطة التي يجب أن تكون تحت المجهر.
العدالة لا تجزأ
المحتجزون طالبوا أيضا بالنظر في أوضاعهم في ضوء قرارات عفو سابقة شملت متهمين وأطرافا مختلفة وطالبوا إما بالإفراج عنهم أو بمحاكمتهم مع تسريع الإجراءات القضائية.
وقد لا يكون الحل القانوني في العفو بالضرورة لأن العفو قرار سياسي له شروطه وآثاره بينما المحاكمة حق قضائي مستقل.
لكن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى الدولة هي
لا تجعلوا اختلاف المواقف السياسية معيارا للحرية أو السجن.
فالعدالة التي تطبق على الخصم يجب أن تطبق على الصديق.
والقانون الذي نحتمي به عندما نكون في موقع السلطة يجب أن نحترمه عندما نكون في موقع المعارضة.
وتحت المجهر…
ما يحدث في سجن بورتسودان يحتاج إلى تحقيق قانوني وحقوقي عاجل ومستقل لا إلى مزيد من السجال السياسي.
نريد أن نعرف
كم عدد الذين ما زالوا رهن الاحتجاز؟
كم منهم لم يحال إلى المحاكمة؟
كم منهم بدأت محاكماتهم ثم تعطلت؟
ما الأساس القانوني لاستمرار توقيف كل حالة؟
وهل تتوفر لهم محامون؟ وهل يحصل المرضى منهم على الرعاية الطبية اللازمة؟
وهل توجد آلية قضائية فعالة لمراجعة مشروعية استمرار احتجازهم؟

هذه ليست أسئلة سياسية.

هذه أسئلة للدولة.
فالدولة القوية ليست التي تستطيع أن تسجن وإنما التي تستطيع أن تثبت التهمة أمام قضاء مستقل.
والقضاء القوي ليس الذي يكثر من الأحكام وإنما الذي يضمن للمتهم وللمجتمع معا أن العدالة قد أخذت مجراها.
أما السجن بلا محاكمة مهما كانت التهمة ومهما كان المتهم ومهما كانت الظروف فيبقى سؤالاً مفتوحاً أمام الضمير والقانون
متى يصبح الحبس الاحتياطي عقوبة مقنعة؟
وهنا تحديدا يجب أن يكون “تحت المجهر”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى